ابن خلكان

390

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

دأبه في الترسّل حلّ المنظوم ، ويعتمد عليه في هذه الصناعة . ولما كملت لضياء الدين المذكور الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين ، تغمده اللّه برحمته ، في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، فوصله القاضي الفاضل لخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من السنة ، وأقام عنده إلى شوال من السنة ، ثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين من والده ، فخيره صلاح الدين بين الإقامة « 1 » في خدمته ، والانتقال إلى ولده ويبقى المعلوم الذي قرره له باقيا عليه ، فاختار ولده ، فمضى إليه ، وكان يومئذ شابا ، فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين على - المقدم ذكره - رحمه اللّه تعالى ، وحسنت حاله عنده . ولما توفي السلطان صلاح الدين ، واستقل ولده الملك الأفضل بمملكة دمشق ، استقل ضياء الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه ، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه ، ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد - حسبما شرحناه في ترجمته - وكان ضياء الدين قد أساء العشرة مع أهلها ، وهموا بقتله ، فأخرجه الحاجب محاسن بن عجم مستخفيا في صندوق مقفل عليه ، ثم صار إليه « 2 » ، وصحبه إلى مصر لما استدعي لنيابة ابن أخيه الملك المنصور - وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الأفضل فأغنى عن الإعادة . ولما قصد الملك العادل الديار المصرية ، وأخذها من ابن أخيه - كما ذكرناه هناك - وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية ، وخرج من مصر ، لم يخرج ضياء الدين في خدمته ، لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه ، فخرج منها

--> ( 1 ) ر : المقام ؛ ق : بين خدمته والإقامة عنده . ( 2 ) علق ابن المؤلف هنا بقوله : « قلت اعني كاتبها موسى بن أحمد لطف اللّه به : سمعت والدي رحمه اللّه تعالى يحكي أن الملك العادل لما تسلم قلعة دمشق من ابن أخيه الأفضل تطلب ضياء الدين كثيرا فلم يظفر به ، فلما حصل الشروع في نقل متاع الأفضل وماله من القلعة قال العادل : ما آمن أن يكون المذكور في بعض الصناديق مستخفيا ، فخرج بنفسه وجلس بدركاه القلعة على صندوق من متاع الأفضل وأمر أن يفتح بين يديه كل صندوق يريدون إخراجه ففعل ذلك ، واتفق جلوسه على الصندوق الذي فيه المذكور فلما تكامل نقلهم الصناديق قام العادل مغضبا لكونه ما ظفر به وغفل عن الصندوق الذي كان جالسا عليه وهذا من غريب الاتفاق » .